الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
54
نفحات القرآن
في الآية الثانية يقلص القرآن تحديه عن الاتيان بمثله ، ويطلب من الخصم أن يأتي بعشر سور وهو أقل من عشر كل القرآن قائلًا : « أَمْ يَقُولُونَ افتَرَاهُ قُلْ فَأْتوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثلِهِ مُفَتَرَياتٍ » ولم يكتف بهذا بل صرح : « وادعُوا مَنِ استَطَعُتم مِّن دُونِ اللَّه ان كُنُتم صَادِقِينَ » . وفي الآية الثالثة نرى أنّ التحدي القرآني يصل إلى أقل من 1 % قائلًا : « وَان كُنتُمْ فِى رَيبٍ مِّمَا نَزَّلنَا عَلَى عَبدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثلِهِ » ثم أضاف : « وَادعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ » . فمن الواضح أنّ المراد من : « شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّه » أنصارهم وكل من اعتقد اعتقادهم لأنهم هم الذين شهدوا لصالحهم في رد وتكذيب رسالة النبي صلى الله عليه وآله . ومن الطبيعي أن يتعاونوا فيما بينهم ليأتوا بسورة واحدة مماثلة لسورة من القرآن وإلّا لو كان المراد من « شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّه » الإتيان بسورة تماثل سورة من القرآن لكان من المفروض مطالبة اللَّه بالشهادة قبل أي شخص آخر ، ولذا فإنّ أول تفسير للآية نقله المرحوم الطبرسي في مجمع البيان عن ابن عباس هو : المراد منها الأعوان والأنصار ، وأضاف : إنّه يطلق على الأعوان والأنصار : شهداء ، لحضورهم وشهودهم حين التعاون . وقدر رجح الفخر الرازي في تفسيره بعد ذكر معنيين للفظ الشهداء ( أي : الأصنام ، والأعوان ، والأنصار ) المعنى الثاني « 1 » . وارتضى بعض المفسرين هذا المعنى أيضاً . والسورة : تمثل جزءاً من آيات القرآن ، تبدأ ب « بسم اللَّه . . . » . وتختم قبل مجىء « بسم اللَّه » جديدة في السورة التي تليها ، ما عدا سورة واحدة وهي سورة التوبة أو سورة براءة . وقيل : إنّ كلمة سورة مأخوذة من « سُور » وهو الجدار المحيط بالمدن ، فكأنّما أعتُبرَ
--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 2 ، ص 119 .